الشيخ السبحاني
452
بحوث في الملل والنحل
فليس المراد تهدّم العروش الّتي كانوا يجلسون عليها ، بل كناية عن زوال الملك والسيطرة وانقطاع سلطتهم . والدقة في الآيات الّتي ورد فيها استيلاؤه سبحانه على العرش يثبت بوضوح أنّ المراد من الآية هو السيطرة والتمكّن على صحيفة الكون والخلقة ، وأنّها بعد الخلقة في قبضة قدرته وحوزة سلطنته لم تفوّض لغيره ، ولأجل ذلك يذكر في سورة يونس بعد هذه الجملة قوله : « يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ » معرباً عن أنّه المدبِّر لأمر الخلقة ، وذلك لاستيلائه على عرش ملكه . فمن استولى على عرش ملكه يقوم بتدبيره ، ومن ثلّ عرشه أو زال ملكه أو انقطع عنه لا يقدر على التدبير . كما أنّه سبحانه يذكر بعد هذه الجملة في سورة الأعراف كيفيّة التدبير ويقول : « يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » فهذه الجمل تعابير عن تدبيره صحيفة الكون . وكونه مصدراً لهذه التدبيرات الشامخة ، دليل على أنّه مستول على ملكه ، مهيمن عليه ، مسيطر على ما خلق ولم يخرج الكون عن حوزة قدرته ، ومثله سائر الآيات الواردة فيها تلك الجملة ، فإنّك ترى أنّه جاء في ضمن بيان فعل من أفعاله سبحانه . ففيها دلالات على « التوحيد في التدبير » الّذي هو أحد مراتبه . وأمّا إذا فسّرنا الاستواء بالجلوس والاستقرار ، والعرش بالكرسي الّذي يتربّع عليه الملوك ، يكون المعنى غير مرتبط بما ورد في الآية من المفاهيم ، إذ أيّ مناسبة بين التربّع على الكرسي المادي والقيام بهذه التدابير الرفيعة .